العودة إلى الرئيسية
الفصل الأول

تحت الرماد

23 دقيقة قراءة تقريبًا 7 مشاهدة 0 تعليق
المشهد الأول — مدخل إلى غرايفن
الفصل الأول

المستوطنة التي لا تنام

لم تكن مستوطنة غرايفن — Graven تعرف الهدوء.

حتى في منتصف الليل، كان صوت المعاول والعربات يأتي من جهة المنجم. تنتهي نوبة، وتدخل أخرى مكانها. عشرات العمال يخرجون بوجوه سوداء من الغبار، بينما ينزل غيرهم إلى الأنفاق قبل أن تبرد الأدوات.

كانت المستوطنة ملكًا للتاجر النبيل اللورد إيدريك ڤالمر — Edric Valmer.

لم يزرها منذ سنوات، لكنه كان يحصل على محصولها كاملًا: خام الفضة والرصاص، والرسوم التي تُخصم من أجور العمال، وإيجارات البيوت التي بُنيت أصلًا لإبقائهم قريبين من المنجم.

كل ساعة يتوقف فيها التنقيب تعني عربات أقل، ومعادن أقل، وأرباحًا أقل.

لهذا لم يتوقف العمل.

تقع غرايفن في منطقة ممطرة معظم أيام السنة. المطر المعتاد خفيف، لكنه يستمر ساعات طويلة، وأحيانًا طوال اليوم. تمر أسابيع لا تظهر فيها الشمس إلا دقائق قليلة بين السحب.

لم يكن أهل المستوطنة يهتمون كثيرًا. اعتادوا الملابس الرطبة، والوحل، ورائحة الخشب الذي لم يجف منذ سنوات.

وفي إحدى الليالي، هطل المطر على غير عادته بغزارة.

ضرب الأسقف بقوة، وأغرق الأزقة، وحوّل غبار الخام الأسود إلى طين كثيف. فاضت قنوات التصريف، واندفعت المياه نحو الطريق الشرقي حاملةً ما جرفته من أطراف المستوطنة.

لم تكن غرايفن قرية حقيقية.

لا ساحة عامة، ولا سوق، ولا مكان للجلوس أو الترفيه. كانت مجموعة من البيوت الرديئة، ومستودعات للأدوات، وإسطبلات، ومداخل تؤدي إلى المنجم.

في مركزها مبنى واحد كبير يعرفه الجميع باسم البرميل الأسود — The Black Cask.

كان حانة ومتجرًا ومخبزًا في الوقت نفسه.

يباع فيه الخبز القاسي، والحساء المالح، وبعض المؤن والأدوات المستعملة. وفي المساء يمتلئ بالعمال الباحثين عن شراب رخيص يخفف ألم ظهورهم، أو يجعلهم ينسون عدد الساعات المتبقية قبل نوبتهم التالية.

لم يكن هناك طبيب في غرايفن.

من يتعرض لإصابة خطيرة كان عليه أن يسافر إلى أقرب قرية بحثًا عن أحد المُرمّمين — Menders؛ معالجين يعرفون تجبير العظام وتضميد الجروح وبعض طرق العلاج البسيطة.

أما من لا يملك أجرة السفر، فيذهب إلى أمهات الجذور — Root Mothers؛ نساء مسنات يعالجن بالأعشاب والجرعات الثقيلة والدعاء، ويستعنَّ بالخرافة حين تعجز بقية الوسائل.

بعض المرضى كانوا يتحسنون.

والبقية يتوقف الناس عن السؤال عنهم.

لم يسكن غرايفن العمال وحدهم.

جاءت إليها عائلات كاملة بسبب الإيجارات المنخفضة. رجال ونساء وأطفال يعيشون قرب المنجم، لأن ما يدفعونه للسكن والطعام أقل مما سيدفعونه في أي مدينة أو قرية محترمة.

وكانت نساء غرايفن أكثر حدة من نساء المناطق الأخرى.

تعلمن مبكرًا كيف يرفعن أصواتهن حين لا تكفي الكلمات الهادئة. وكانت سكاكين المطبخ في بيوتهن تعرف أكثر من استعمال؛ تقطع الخبز، وتشق الحبال، وتظهر عند العتبات عندما يصبح الصمت أثقل من أن يُحتمل.

لم يكن ذلك شجاعة خاصة.

كان أسلوب حياة.

في أحد البيوت القريبة من الطرف الشرقي للمستوطنة، سقطت قطرة ماء من السقف على وجه إيلان — Elian.

فتح عينيه ومسح خده.

ظل ساكنًا لثوانٍ، ثم سقطت قطرة ثانية في المكان نفسه.

حرّك رأسه إلى الجانب.

أصابته الثالثة قرب أذنه.

جلس على فراشه ونظر إلى السقف. كان قد سد الشق بالطين والخشب قبل أسبوعين، لكن المطر فتحه من جديد.

مد يده إلى قطعة قماش قديمة، وثبّتها تحت موضع التسرب.

قبل أن يعود إلى فراشه، دوّت ثلاث ضربات قوية على الباب.

ثم صاح جندي من الخارج:

— حملة تنظيف! العاملون خارج نوباتهم يخرجون حالًا!

ما إن انتهى النداء حتى التقطت سيرا — Sera قطعة نقدية صغيرة من قرب فراشها ورمتها نحوه.

ارتطمت بأعلى رأسه، ثم سقطت في حجره.

قالت من تحت الغطاء:

— هاك أجرك مقدّمًا. لا تقل إن حملات التنظيف لا تمنحك شيئًا.

نظر إيلان إلى القطعة، ثم إليها.

— أقسم أنني سأدفنك يومًا تحت رماد المنجم.

أجابت دون أن ترفع الغطاء:

— حين تجد وقتًا بين نوباتك وحملاتك.

تحركت أمه أغاثا — Agatha في فراشها، وفتحت عينيها دون أن ترفع رأسها.

— خرجت معهم المرة الماضية. ابقَ مكانك.

قال إيلان:

— سيحتاجون عشرة.

— وسيجدون عشرة من غيرك.

جاءت ضربة أخرى، هذه المرة على باب الجيران. سمعوا الجندي يكرر الأمر، ثم صوت رجل يزعم أنه مصاب بالحمى.

مد إيلان يده إلى حذائه.

راقبته سيرا.

— ستنام بحذائك نومة ملكية؟

أدخل قدمه فيه.

— ربما.

— إذن ينقصك التاج فقط.

بدأ يرتدي قميصه.

قالت أغاثا:

— نوبتك انتهت منذ ساعتين، والتالية قبل الظهر.

— سأعود قبلها.

راقبته سيرا وهو يغلق أزرار قميصه.

— يومًا ما سيقودك فضولك إلى مكان لا تعرف طريق العودة منه.

قال إيلان:

— ما يبقى في المنجم، يبقى في المنجم. أما ما يجرفه المطر، فقد يختفي قبل أن يسأل عنه أحد.

رفعت سيرا حاجبها.

— صحيح. ربما تجد ذهبًا في القناة هذه المرة.

نظر إليها.

— يا لكِ من مهرجة.

ظهرت ابتسامة قصيرة على وجهها، ثم أعادت الغطاء إلى كتفيها.

ارتدى إيلان معطفه وربط حزامه.

قالت أغاثا:

— عد كاملًا. لا أملك مالًا للمُرمّمين.

— سأحاول.

وصل إلى الباب.

قالت سيرا:

— خذ الدفتر معك.

— يبقى هنا.

— إذن لا تركض عند عودتك وكأن البيت يحترق.

فتح الباب دون أن يجيب.

وقف أمامه جندي يحمل مصباحًا وعصًا قصيرة يستخدمها لطرق الأبواب. كانت عباءته الواقية من المطر أفضل من سقف البيت.

رفع المصباح نحو وجه إيلان، ثم ظهر الضجر على ملامحه.

— أنت مجددًا؟ أليس في هذه المستوطنة غيرك؟

أغلق إيلان الباب خلفه، وتجاوز الجندي متجهًا نحو الطريق.

التفت الجندي إليه.

— أنا أتحدث إليك.

لم يلتفت إيلان.

اشتد وجه الجندي، لكنه بقي مكانه. كانت أمامه أبواب كثيرة، ولم يكن لديه وقت ليجعل من صمت عامل متعب مشكلة جديدة.

صاح خلفه:

— عند مخزن الأدوات!

واصل إيلان سيره تحت المطر.

لم تكن حملات التنظيف طوعية، مهما حاول الجنود إظهارها كذلك.

كان المطلوب عددًا محددًا من العمال خارج نوباتهم، وكان العمال قد صنعوا فيما بينهم نظامًا غير مكتوب للتناوب. من خرج في الحملة السابقة يُعفى من التالية، ومن تهرب أكثر من مرة يجد بقية العمال عند بابه قبل وصول الجنود.

ومع ذلك، كانت الخلافات تتكرر في كل حملة.

يتجادلون حول من شارك آخر مرة، ومن أنهى نوبته قبل غيره، ومن يستطيع احتمال ساعات إضافية تحت المطر. بعضهم يتظاهر بالنوم، وبعضهم لا يفتح الباب حتى يسمع خطوات الجنود تبتعد.

أما إيلان، فكان يصل غالبًا قبل أن يبدأ الجدال.

وقف قرب مخزن الأدوات وحده في البداية.

بعد دقائق، وصل عامل يشتم زميله الذي ذكّره بأن دوره قد حان. ثم تبعه آخر خرج على عجل، ولم يغلق معطفه جيدًا.

استمر الجنود في طرق الأبواب.

كلما وصل عامل، عدّه أحدهم.

أربعة.

ستة.

ثمانية.

عند التاسع، خفتت الأصوات في الزقاق. أُغلقت النوافذ، وانطفأت المصابيح، وتصرفت البيوت كلها كأن سكانها غرقوا في النوم في اللحظة نفسها.

ضرب أحد الجنود بابًا بعنف حتى خرج منه رجل غاضب يشد معطفه حول كتفيه.

قال الجندي:

— العاشر. انتهينا.

وزعوا عليهم الحبال والمجارف وقطع القماش السميكة.

قال قائد المجموعة:

— الطريق الشرقي. يجب أن يفتح قبل وصول عربات الصباح.

تحرك العمال العشرة خلف الجنود.

لم يكن إيلان يحب العمل الإضافي، ولا المطر، ولا الساعات التي سيخسرها من نومه.

ومع ذلك كان دائمًا أول من يخرج.

وكلما انتهت حملة تنظيف، عاد إلى البيت متعبًا ومبللًا، ثم جلس أمام دفتره حتى يجف الحبر قبل أن تجف ملابسه.

أغنية عمّال المناجم

Bread for the Hearth — أغنية عمّال غرايفن

الفصل الأول

الطريق الشرقي والعلامة

كان الطريق الشرقي أفضل طريق في غرايفن.

ليس لأنه خُصص لأهل المستوطنة، بل لأنه الطريق الذي تمر عبره عربات الخام والبضائع.

رُصفت أرضه بالحجارة، وثُبتت حوافه بالأخشاب، بينما ظلت بقية طرق المستوطنة غارقة في الوحل. وإذا تحرك حجر واحد من موضعه، وصل عمال الصيانة قبل نهاية اليوم.

أما إذا انهار سقف بيت، فعلى ساكنيه أن يجدوا خشبًا قبل هطول المطر التالي.

تحرك العمال العشرة تحت المطر، يحملون الحبال والمجارف وقطع القماش السميكة. سار جنديان أمامهم، وبقي قائد المجموعة في الخلف كي لا يقرر أحدهم العودة إلى فراشه.

إلى جوار إيلان سار غارِن — Garen، عامل ضخم أكبر منه سنًا، له كتفان عريضان ووجه لم ينجح المطر يومًا في إزالة غبار المنجم عنه بالكامل.

قال غارِن:

— خرجت في الحملة السابقة.

أجابه عامل أمامه:

— وأنا خرجت قبلك.

نظر غارِن إلى بقية الرجال.

— إذن يفترض أن يكون دور نصف المستوطنة.

قال العامل:

— نصفها نائم، والنصف الآخر أقفل بابه.

لم يضف أحد شيئًا.

وصلوا إلى مخزن العربات، ثم تابعوا السير نحو القنطرة الشرقية. ازداد هدير الماء كلما اقتربوا منها.

كان مجرى حجري يمر أسفل الطريق، ينقل مياه الأمطار من المنحدرات إلى الأراضي المنخفضة شرق غرايفن. لكن السيل دفع إليه أغصانًا وأخشابًا ممزقة وأكياسًا فارغة، حتى انسد الممر وارتفع الماء بين الدعامات.

انتظرت قرب القنطرة ثلاث عربات تجارية.

وقفت الخيول تحت أغطية سميكة، بينما بقي أصحاب العربات بعيدين عن المطر. كانت الصناديق محكمة الإغلاق، وعلى جوانبها ختم عائلة ڤالمر.

وقف مشرف الطريق تحت مظلة يحملها له أحد الجنود.

كان اسمه ڤارِك — Varek؛ رجلًا نحيفًا بمعطف طويل نظيف، لم يدخل المنجم في حياته، لكنه كان يعرف قيمة كل دقيقة تتوقف فيها العربات.

رفع مصباحه حين رأى العمال.

— تأخرتم.

نظر غارِن إلى المطر، ثم إلى المظلة فوق رأس ڤارك.

— الماء وصل قبلنا.

أشار ڤارك إلى القنطرة.

— افتحوا الطريق قبل الفجر.

اقترب الرجال من المجرى.

كانت الأغصان والأقمشة قد تشابكت بين الدعامات الحجرية، وشكلت سدًا أسود يتحرك مع ضغط الماء.

وبينها ظهرت ثلاث جثث.

المشهد الثاني — القنطرة الشرقية

توقف أحد العمال الجدد.

— ماذا نفعل بهم؟

أجابه ڤارك دون أن يقترب:

— أخرجوهم من المجرى وضعوهم تحت القنطرة. سيأتي من يأخذهم حين يخف المطر.

نظر الشاب إلى الموضع الذي أشار إليه.

كانت هناك مساحة ضيقة من الحجارة الرطبة بجوار الماء، مظلمة حتى في النهار. بقيت عليها آثار طين قديم وقطع قماش من حملات سابقة.

لم تكن مكانًا للدفن.

كانت مكانًا للانتظار.

وضع غارِن حبلًا في يد الشاب.

— أمسك جيدًا.

بدأ الرجال العمل.

ثبتوا الحبال حول كتلة من الأغصان وسحبوها بعيدًا عن الدعامات. اندفع الماء فور تحرر جزء من المجرى، وظهرت تحته جثة رجل.

غطاها غارِن بقطعة قماش.

اقترب أحد التجار من ڤارك، وقد وضع منديلًا معطرًا فوق أنفه.

— اغسلوا الحجارة قبل مرورنا.

أومأ ڤارك.

نظر غارِن إلى الجثة، ثم إلى عجلات العربة النظيفة.

— حتى لا يتسخ الطريق بالموت.

لم يرد عليه أحد.

حمل الرجال الجثة إلى أسفل القنطرة ووضعوها فوق الحجارة الرطبة. انزلقت إحدى اليدين من تحت القماش، فأعادها العامل الجديد بسرعة، كأنه يخشى أن تمسك به.

تحرك إيلان نحو الطرف الآخر من المجرى.

أبعد لوحًا مكسورًا بالمجرفة، فظهرت الجثة الثانية.

عرف الرجل.

كان يعمل سابقًا في أحد ممرات المنجم، ثم اختفى قبل أسابيع بعد مرض طويل في صدره. قال المشرف يومها إنه غادر غرايفن بحثًا عن عمل أخف.

لكن إيلان كان يعرف أنه لم يملك ما يكفي من المال للوصول إلى القرية التالية.

انحنى ليساعد في تغطيته، ثم لاحظ على رسغه مجموعة صغيرة من الوخزات الداكنة.

كانت مرتبة في خط قصير، وليست جرحًا عشوائيًا.

قال للعامل الذي بجواره:

— رأيت مثل هذه من قبل؟

نظر الرجل إليها سريعًا.

— أثر علاج فاشل، على الأغلب. بعض المُرمّمين يثقبون الجلد لإخراج المرض.

أعاد القماش فوق اليد.

— لم يخرج المرض هذه المرة.

حمل طرف الجثة وانصرف.

بقي إيلان لحظة في مكانه.

كان قد رأى علامات شبيهة خلال حملات سابقة؛ نقاطًا صغيرة أو خطوطًا باهتة على أذرع أشخاص جرفتهم المياه.

لم يكن متأكدًا لماذا تذكرها.

ربما لأنها كانت مرتبة أكثر مما ينبغي.

وربما لأن أحدًا غيره لم يهتم بها.

نقلوا الجثة الثانية إلى أسفل القنطرة، ثم عادوا إلى المجرى.

ظهرت الثالثة قرب جذور شجرة صغيرة التصقت بالصخور. لم يظهر منها في البداية سوى قطعة قماش فاتحة ويد نحيلة تحت الماء.

نزل إيلان بحذر وأبعد الأغصان عنها.

كانت فتاة يافعة لم يرها من قبل. لم ترتدِ ملابس أهل غرايفن، ولم تحمل حقيبة أو قلادة أو شيئًا يدل على المكان الذي جاءت منه.

ساعده عامل آخر على سحبها إلى موضع أقل عمقًا.

قال الرجل:

— تعرفها؟

— لا.

ألقى قطعة القماش بجوارها، ثم ابتعد عندما ناداه غارِن.

بقي إيلان وحده لثوانٍ.

كان الجنود يراقبون سرعة العمل، بينما انشغل التجار بمجادلة ڤارك حول التأخير.

رفع إيلان يد الفتاة.

وتوقف.

لم تكن العلامة على رسغها مجرد نقاط منفردة.

كانت دائرة غير مكتملة، وفوقها ثلاث وخزات صغيرة، وأسفلها خطان متوازيان، وعند طرفها شق قصير.

بدت قديمة بما يكفي لتلتئم، ومنتظمة بما يكفي ألا تكون محاولة علاج عشوائية.

حاول حفظها.

الدائرة.

الفراغ عند جانبها.

النقاط الثلاث.

الخطان.

والشق القصير.

جاء صوت ڤارك من أعلى القنطرة:

— ما الذي يؤخرك؟

رفع إيلان رأسه.

— يدها عالقة.

أمسك الرسغ وسحبه من بين الجذور، ثم غطى الجثة.

وأثناء رفعها، سقطت من داخل حزامها قطعة رق صغيرة مطوية عدة مرات.

كادت المياه تأخذها.

وضع إيلان قدمه فوقها قبل أن يلاحظها العامل الآخر، ثم انحنى كأنه يثبت الحبل وأخفاها داخل معطفه.

حملا الفتاة إلى أسفل القنطرة ووضعاها بجوار الجثتين.

ثلاثة أجساد تحت القوس الحجري.

ثلاث قطع قماش مبتلة.

وسيأتي أحدهم لاحقًا، كما قيل دائمًا.

واصل العمال إزالة المخلفات حتى عاد الماء يمر تحت الطريق. ثم غسلوا الحجارة سريعًا، كي تعبر العربات دون أن يعلق الطين بعجلاتها.

تحركت أول عربة بعد دقائق.

لم ينظر التاجر إلى الجثث.

تفقد الطريق فقط، ثم أمر السائق بالمرور.

قال ڤارك:

— انتهيتم. عودوا إلى نوباتكم أو بيوتكم.

وصل إيلان إلى المنزل بعد بزوغ الضوء بقليل.

كانت سيرا تجلس قرب الموقد، تسخن ما بقي من حساء الليلة السابقة. رفعت عينيها إليه، ثم إلى الماء المتساقط من معطفه.

— اخلعه عند الباب.

فعل ذلك هذه المرة دون اعتراض.

توجه إلى فراشه ورفع أحد ألواحه الخشبية.

قالت سيرا:

— الدفتر أولًا؟

— الحساء لن يهرب.

— والدفتر قد يفعل؟

لم يجبها.

أخرج دفترًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش وجلس قرب المصباح.

لم يكن دفتره سجلًا منظمًا، ولم يحتوِ شيئًا يراه غيره مهمًا. امتلأت صفحاته بأسماء سمعها في الحانة، وأشكال مسامير غريبة، ورسومات لأقفال مكسورة، وملاحظات عن أشياء وجدها في الوحل ثم نسي سبب كتابتها.

فتح صفحة فارغة ورسم العلامة كما تذكرها.

خرجت الدائرة ملتوية.

ووضع النقاط أقرب إلى بعضها مما كانت عليه.

محاها بطرف إصبعه وأعاد رسمها.

قالت سيرا من قرب الموقد:

— وجدت ذهبك؟

رفع عينيه إليها.

— يا لكِ من مهرجة.

عادت إلى الحساء.

فتح إيلان صفحات أقدم.

وجد ثلاث نقاط رسمها قبل شهرين بعد إحدى حملات التنظيف. وفي صفحة أخرى، خطين رآهما على ذراع رجل وصل مع سيل قادم من الشمال.

لم تكن الرسومات متطابقة.

لكنها لم تكن مختلفة تمامًا أيضًا.

أخرج قطعة الرق التي أخذها من حزام الفتاة ووضعها قرب المصباح.

فتحها بحذر.

أفسد الماء معظم الحبر، ولم يبقَ واضحًا سوى العلامة نفسها، مرسومة في طرف الورقة.

وتحتها كلمات قليلة:

بعد الجرس الثالث.

الطريق القديم.

قرأها إيلان مرتين.

ثم ثالثة.

لم يعرف إن كانت دعوة، أو تحذيرًا، أو موعدًا لم تصل إليه الفتاة.

لكنه عرف أنها لم تكن أثر علاج.

طوى الرق ووضعه داخل الدفتر.

خلال الليالي التالية، خرج بعد انتهاء نوبته إلى أطراف غرايفن الشرقية.

لم يجد شيئًا في الليلة الأولى.

وفي الثانية، لم يرَ سوى عربة متأخرة ورجل ثمل ضل طريقه إلى البيت.

في الليلة الثالثة، صعد إلى التلال المطلة على الطريق القديم، وبقي هناك تحت المطر الخفيف حتى سمع الجرس الثالث من جهة المنجم.

مر وقت طويل دون أن يحدث شيء.

وعندما همّ بالعودة، ظهر ضوء بين الأشجار.

ثم ظهر ثانٍ خلفه.

وثالث.

تقدم أشخاص على الطريق الضيق، يرتدون عباءات داكنة ويسيرون نحو الشرق دون حديث.

أخرج إيلان الدفتر من داخل معطفه.

نظر إلى العلامة مرة أخيرة.

ثم أغلقه، ونزل من التلة يتبع الأضواء.

الفصل الأول

أصحاب العباءات

أعاد إيلان الدفتر إلى داخل معطفه، ثم نزل من التلة بحذر.

تحرك أصحاب العباءات على الطريق القديم في صف غير منتظم. لم يحملوا رايات، ولم يرتدوا زيًا يميزهم؛ مجرد عباءات داكنة تقيهم المطر، وأحذية قديمة تغوص في الوحل.

بدوا كعمال عائدين من قرية بعيدة، أو فقراء يبحثون عن مأوى قبل اشتداد الليل.

انتظر إيلان حتى مر آخرهم، ثم لحق بالمجموعة من الخلف.

لم يلتفت إليه أحد.

خفض رأسه وسار بالسرعة نفسها. كانت ملابسه المتسخة ومعطفه الرخيص كافيين ليبدو واحدًا منهم. في غرايفن كان مظهره علامة على الفقر، أما هنا فكان أفضل ما يخفيه.

تحركوا بصمت.

لا تحية، ولا أسماء، ولا حديث يتجاوز همسات قصيرة لا تصل إلى آخر الصف.

بعد مسافة، تركوا الطريق واتجهوا إلى ممر ضيق بين الأشجار. حاول إيلان حفظ ما حوله: شجرة مشقوقة قرب المدخل، وصخرة طويلة مائلة، ومنحدر ينخفض جهة اليسار.

لم يكن يعرف إلى أين يقودهم الطريق.

لكنه أراد أن يعرف كيف يعود منه.

التفت رجل يسير أمامه. كان نصف وجهه مختفيًا تحت غطاء عباءته.

قال:

— تأخرت.

أجابه إيلان:

— الطريق غارق.

نظر الرجل إلى الوحل على حذائه، ثم أعاد وجهه إلى الأمام.

بعد نحو نصف ساعة، وصلوا إلى هضبة صخرية تحيط بها الأشجار. بدأت المصابيح تختفي واحدًا بعد آخر خلف نتوءات الجبل، حتى ظهر مدخل منخفض لكهف تحجبه الأغصان من بعيد.

وقف عند المدخل حارسان.

كانت عباءتاهما شبيهتين بعباءات الآخرين، لكن السيفين عند خصريهما كانا أنظف من كل شيء حولهما.

مر أول رجل.

رفع الحارس المصباح نحو وجهه.

— من تتبع؟

جاءت إجابة قصيرة، ثم سُمح له بالدخول.

تكرر السؤال مع من بعده.

أسماء غريبة.

الصامتون.

أصحاب الخيط الأحمر.

وجماعات لم يسمع بها إيلان من قبل.

شعر بثقل الدفتر تحت معطفه.

لم يفكر في الحراس حين بدأ التتبع. كان يتوقع أن يراقب المكان من بعيد، ثم يعود بما رآه.

أما الآن، فقد أصبح في منتصف الصف، وخلفه أشخاص قريبون بما يكفي لملاحظة تراجعه.

جاء دوره.

رفع الحارس المصباح حتى بلغ الضوء عينيه.

— من تتبع؟

بقي إيلان صامتًا.

لم تكن لديه إجابة.

نظر الحارس إلى وجهه، ثم أعاد السؤال بنبرة أشد:

— من تتبع؟

قرّب إيلان أذنه قليلًا، متظاهرًا بأن المطر أخفى عنه الكلمات.

— ماذا قلت؟

ظهر الانزعاج على وجه الحارس. تقدم خطوة، ورفع المصباح أقرب إلى عينيه.

— سألتك: من تتبع؟

منحه ذلك ثواني قليلة.

تذكر الرسومات التي أخفاها في دفتره، والعلامات التي رآها على الجثث، والدائرة التي تكررت معها الخطوط أكثر من مرة.

لم يعرف أسماء الجماعات الحقيقية، فاختار الاسم الذي كان يستخدمه في ملاحظاته.

قال:

— أصحاب الشقين.

توقفت نظرة الحارس عليه.

تبادل مع رفيقه نظرة سريعة، ثم سأله:

— الدفعة؟

لم يكن إيلان قد فكر في دفعة.

نظر إلى ضوء المصباح لحظة، وقال أول رقم استقر في ذهنه:

— الثالثة.

بقي الحارسان صامتين لثوانٍ.

تحرك الرجل الواقف خلف إيلان بضيق، فتنحى الحارس أخيرًا عن المدخل.

— ادخل.

تحرك إيلان قبل أن يتغير رأيه.

كان الممر الداخلي ضيقًا ورطبًا. تدلت من سقفه جذور سوداء، وسالت على جوانبه خيوط رفيعة من الماء. ثبتت مصابيح صغيرة بين الصخور، لكنها لم تكن كافية لطرد الظلام.

بعد مسافة، انفتح الممر على تجويف واسع داخل الجبل.

لم يكن المكان مقرًا فخمًا، ولا مخبأً محكمًا.

كان كهفًا رديئًا جرى ترويضه بما توفر: أخشاب تسند بعض الجوانب، وستائر ثقيلة تفصل الزوايا، وصناديق موضوعة فوق أرض غير مستوية، وطاولات جمعت من ألواح لا يشبه بعضها بعضًا.

ومع ذلك، كان المكان مكتظًا.

تجمع العشرات في جماعات صغيرة. عمال بثياب رثة، ومسافرون غطى الطين أحذيتهم، ورجال أخفوا تحت عباءاتهم ملابس أغلى بكثير مما يرتديه أهل غرايفن.

المشهد الثالث — الاجتماع الخفي داخل الكهف

كانت الأحاديث تدور في تمتمات متداخلة. ترتفع جملة هنا، وتنقطع أخرى هناك، ثم تنخفض الأصوات كلما اقترب شخص لا يعرفه أصحابها.

وقف إيلان وحده في البداية.

اقترب من جماعة تجمعت عند أحد الأعمدة الصخرية. سمع كلمات قليلة قبل أن يلاحظ أحدهم وجوده، فتغير موضوع الحديث فجأة.

انتقل إلى جانب صندوق كبير، حيث وقف ثلاثة رجال يتجادلون بهدوء. لم يلتقط سوى أسماء أماكن لم يسمع بها، ثم أدار أحدهم ظهره نحوه وأغلق الدائرة.

لم يستطع الاقتراب أكثر.

ولم يجرؤ على السؤال.

في المقابل، لم يكن أحد مهتمًا به على وجه الخصوص.

وهذا ما أبقاه آمنًا.

ظل يتنقل ببطء بين أطراف القاعة، محاولًا جمع شيء مفيد من الأحاديث المتقطعة، لكنه لم يخرج إلا بكلمات مبعثرة لا تقود إلى معنى.

بعد وقت قصير، بدأت الأصوات تنخفض من تلقاء نفسها.

تحرك رجل كبير في السن نحو صخرة مرتفعة في طرف القاعة.

كان يسير مستندًا إلى عصا طويلة ذات رأس حديدي. لم تكن خطواته سريعة، لكنها شقت له طريقًا بين الحاضرين دون أن يطلب من أحد الابتعاد.

ارتقى الصخرة ببطء، ثم استدار نحو القاعة.

في يده الأخرى قارورة صغيرة من زجاج داكن، لا يزيد السائل داخلها على عدة جرعات.

رفعها نحو أحد المصابيح.

سكت المكان.

قال:

— قبل أن نبدأ، وصلنا طلب على شحنة جديدة من هذا الترياق.

تحركت بعض الرؤوس لرؤية القارورة بوضوح.

— ما يزال تحت التجربة والاختبار، لكن نتائجه كانت كافية ليُطلب منه المزيد. وقد اتُّفق على إرسال الشحنة القادمة إلى إيراف.

سمع إيلان اسم المدينة بوضوح.

لم يكن قد رآها من قبل، لكنه سمع عنها من سائقي العربات: مدينة أكبر من كل القرى المحيطة بغرايفن، وأسوارها تستقبل بضائع وتجارًا من طرق بعيدة.

تابع الرجل:

— أعلم أننا نعاني نقصًا في الأيدي. لذلك لن يُجبر أحد على الذهاب. من يتطوع، فسيكون قد قدم لنا خدمة حسنة، وستكون له مكافأة بعد إتمام المهمة.

بدأت التمتمات من جديد.

تشاور بعض الرجال فيما بينهم. ارتفعت يد عند الجهة اليسرى، ثم تبعتها ثانية بعد تردد.

وبعد لحظات، ارتفعت ثالثة.

ظل إيلان ينظر إلى القارورة.

تذكر العلامة على رسغ الفتاة.

وقطعة الرق التي قادته إلى الطريق القديم.

والمدينة التي لم يخرج من غرايفن يومًا ليقترب منها.

كان يستطيع البقاء في مكانه، والاستماع إلى بقية الاجتماع، ثم العودة إلى بيته بما عرفه.

لكنه أراد أن يرى الترياق عن قرب.

وأراد أن يعرف إلى أين ستصل الشحنة.

فرفع يده قبل أن يمنح نفسه وقتًا كافيًا للتراجع.

نظر الرجل المسن إلى الأيدي الأربع.

— يكفي.

أشار بعصاه نحو فتحة جانبية في الكهف.

— المتطوعون إلى الغرفة المجاورة. ستُشرح لكم المهمة هناك.

خفض إيلان يده.

لم يعجبه أن يترك القاعة قبل أن يسمع بقية الاجتماع، لكنه لم يستطع البقاء بعد أن تطوع دون أن يلفت الانتباه.

تحرك مع الرجال الثلاثة نحو الفتحة الجانبية.

وخلفهم، عادت التمتمات تنتشر بين الحاضرين.

الفصل الأول

الشحنة إلى إيراف

كانت الغرفة المجاورة أصغر من القاعة، لا تتسع إلا لطاولة خشبية وعدة مقاعد غير متساوية. ثُبتت فوق الطاولة خريطة قديمة بحجارة عند أطرافها، ووقف إلى جانبها رجل ينتظر وصولهم.

دخل الرجال الأربعة.

أُغلقت الستارة خلفهم.

لم يسأل الرجل عن أسمائهم.

ولم يذكر اسمه.

أشار إلى الطريق المرسوم على الخريطة.

— ستخرج عربتان مع أول ضوء. تحملان شحنة من الترياقات المطلوبة خصيصًا لتاجر في إيراف.

مرر إصبعه فوق الطريق الممتد شرقًا.

— في السجلات، الصناديق لا تحتوي إلا أعشابًا مجففة ومراهم لمعالجة الحمى وأوجاع المفاصل. هذا ما ستقولونه إن سُئلتم.

رفع أحد المتطوعين رأسه.

— ومن هو التاجر؟

نظر إليه الرجل.

— لستم بحاجة إلى معرفته.

سكت المتطوع.

تابع الرجل:

— ستدخلون من البوابة الجنوبية، ثم تتجهون إلى مخزن قريب منها. سيقابلكم رجلان، يضع كل واحد منهما شريطًا رماديًا حول ساعده الأيسر. تسلمون الصناديق إليهما، وتأخذون ما يعطونه لكم، ثم تنصرفون.

أشار إلى موضع صغير على الخريطة قرب سور المدينة.

— لا تذكروا الترياق. لا تسألوا عن صاحب المخزن. ولا تطيلوا الحديث مع الحراس أو أهل الطريق. أنتم عمال استُؤجرتم لنقل أعشاب علاجية، وهذا كل ما تعرفونه.

نظر إيلان إلى الرجال الثلاثة.

جلس كل واحد منهم منفصلًا قليلًا عن الآخر، وكأن الاجتماع لم يجعلهم جماعة بعد.

لم تكن الأسماء ضرورية هنا.

ربما كان الجهل بها جزءًا من المهمة.

أخرج الرجل ورقة مطوية وختمًا صغيرًا، ثم وضعهما أمام أحد المتطوعين.

— أنت تتولى الطريق.

أخذ الرجل الورقة دون أن يفتحها.

— بقية التعليمات مكتوبة هنا. سيكون المشرف والعربات في انتظاركم صباحًا، وهو يشرح ما تبقى عند الحاجة.

لم يعرف إيلان أيهم سيكون المشرف، ولم يسأل.

أشار الرجل إلى ممر ضيق خلف الستارة.

— اخرجوا من الطريق الخلفي. لا تعودوا إلى القاعة؛ الاجتماع لم يعد يعنيكم.

ثم أضاف:

— عودوا مع أول ضوء إلى الممر الحجري جنوب الطريق القديم. لا تتأخروا، ولا تأتوا معًا.

أطفأ المصباح الصغير فوق الخريطة.

— انتهى دوركم هنا.

خرج الرجال الأربعة من الممر الخلفي.

كان الطريق أكثر ضيقًا من المدخل الأول، ينحدر بين الصخور حتى يصل إلى جزء بعيد من الغابة. لم تكن فيه مصابيح، واضطروا إلى متابعة الضوء الضعيف القادم من آخر الممر.

خرجوا واحدًا بعد آخر تحت المطر.

لم يتحدث أحد.

افترقوا عند الطريق، واتخذ كل رجل اتجاهًا مختلفًا.

سار إيلان نحو غرايفن وهو يشعر أن الحظ وحده أدخله الكهف، ثم أخرجه قبل أن يُسأل سؤالًا لا يستطيع الإجابة عنه.

لم يعرف ما هو الترياق.

ولم يعرف لماذا كانت علامته على رسغ فتاة ميتة.

لكنه عرف الآن أن الشحنة ستخرج صباحًا، وأنها ستصل إلى تاجر داخل إيراف.

وكان هو واحدًا ممن سيحملونها.

وصل إلى البيت قبل الفجر بقليل.

كانت أغاثا مستيقظة قرب الموقد، بينما جلست سيرا تلف قطعة قماش حول شعرها استعدادًا لبدء يومها.

رفعت سيرا عينيها إليه.

— تأخرت حملة التنظيف.

خلع إيلان معطفه عند الباب.

— كانوا يقررون مكافأتي.

توقفت يد سيرا.

— أنت؟

— بسبب انتظامي في الحملات. اختاروني للذهاب إلى إيراف وجلب بعض الأدوات التي يحتاجها المنجم.

نظرت إليه للحظة، ثم قالت:

— كنت أعلم أن الوحل سيفتح لك أبواب المدن يومًا.

جلس إيلان قرب الموقد.

— حاولي ألا تبكي من الفخر.

قالت أغاثا:

— متى تغادر؟

— مع أول ضوء.

— ومتى تعود؟

— بعد أن تصل الأدوات.

لم تسأله أغاثا كيف تحولت حملة تنظيف ليلية إلى رحلة نحو إيراف. دفعت إليه قطعة خبز بقيت من الليلة السابقة.

— خذها معك. ولا تصدق أحدًا يقول إن الطريق أقصر مما يبدو.

أخذها إيلان ووضعها قرب معطفه.

قالت سيرا:

— هل سيعطونك عربة كاملة، أم سيجعلونك تحمل الأدوات فوق ظهرك مكافأةً لك؟

نظر إليها.

— يبدو أن فكرة رميك تحت رماد المنجم لا تزال جيدة.

ابتسمت وهي تعود إلى ربط شعرها.

— عد أولًا من إيراف، ثم حاول.

لم ينم إيلان إلا قليلًا.

بقي الدفتر تحت لوح فراشه، واحتفظ بقطعة الرق داخل صفحاته. لم يأخذها معه؛ لم يكن يريد أن يحمل شيئًا يربطه بالفتاة إن فُتش في الطريق.

مع أول أجراس الصباح، ارتدى معطفه وغادر البيت.

كانت غرايفن تستيقظ بالطريقة نفسها التي لا تنام بها: عمال يخرجون من المنجم، وآخرون ينزلون إليه، وعربات تنتظر خامها عند الطريق.

سار إيلان نحو الممر الحجري جنوب الطريق القديم.

ظهرت العربتان بين الأشجار.

كانت الصناديق مغطاة بأقمشة سميكة ومثبتة بالحبال. وقف عندها الرجال الثلاثة الذين رآهم في الغرفة، وكان أحدهم يحمل الورقة المطوية والختم الصغير.

لم يعرف إيلان أسماءهم.

ولم يسأله أحد عن اسمه.

اقترب من العربة ووضع قطعة الخبز داخل معطفه.

خلفه، بدأت نوبة جديدة داخل منجم غرايفن.

وأمامه، امتد الطريق إلى إيراف.

المشهد الرابع — الطريق إلى إيراف
انتهى الفصل الأول
شخصيات الفصل الأول

وجوه في هذا الفصل

إيلان

عامل منجم ومراقب لا يتوقف عن تدوين ما يراه

استكشف الشخصية

سيرا

أخت إيلان وواحدة من أكثر الأصوات انتباهًا داخل البيت

استكشف الشخصية

أغاثا

أم إيلان وسيرا وامرأة تعلمت النجاة على طريقة غرايفن

استكشف الشخصية

غارِن

عامل منجم مخضرم يحوّل المرارة إلى سخرية

استكشف الشخصية
هوامش القرّاء

تعليقات الفصل

تظهر التعليقات المنشورة كاملة هنا، وتُراجع المشاركات الجديدة قبل ظهورها.

جارٍ تحميل التعليقات…